الصحابي الجليل صهيب الرومي رضي الله عنه

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد آله وصحبه أجمعين
أما بعد :
نبذة من حياة الصحابي الجليل - صهيب الرومي
ترجمة صهيب الرومي :
هو صهيب بن سنان بن مالك ويقال: خالد بن عبد عمرو بن عقيل، ويقال: طفيل بن عامر بن جندلة بن سعد بن خزيمة بن كعب بن سعد بن أسلم بن أوس بن زيد مناة بن النمر بن قاسط النمري، أبو يحيى وأمه من بني مالك بن عمرو بن تميم، وهو الرومي قيل له ذلك؛ لأن الروم سبوه صغيرًا.
قال ابن سعد : وكان أبوه وعمه على الأبلة من جهة كسرى، وكانت منازلهم على دجلة من جهة الموصل، فنشأ صهيب بالروم فصار ألكن، ثم اشتراه رجل من كلب فباعه بمكة، فاشتراه عبد الله بن جدعان التميمي، فأعتقه.


حال صهيب الرومي في الجاهلية :
لقد كان والده حاكم (الأبلة) ووليًّا عليهـا لكسرى، فهو من العرب الذين نزحوا إلى العراق قبل الإسلام بعهد طويل، وله قصـر كبير على شاطئ الفرات، فعاش صهيب طفولة ناعمة سعيدة، إلى أن سبي بهجوم رومي، وقضى طفولته وصدر شبابه في بلاد الروم، وأخذ لسانهم ولهجتهم، وباعه تجار الرقيق أخيرًا لعبد اللـه بن جدعان في مكة وأعجب سيده الجديد بذكائه ونشاطه وإخلاصه..
ونتيجة إعجاب سيده بذكائه ونشاطه وإخلاصه أعتقه وحرره وأخذ يتاجر معه حتى أصبح لديه المال الكثير.

قصة إسلام صهيب الرومي :
يقول عمار بن ياسر رضي الله عنه : لقيت صهيب بن سنان على باب دار الأرقم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، فقلت له : ماذا تريد؟ فأجابني : ماذا تريد أنت؟ قلت له : أريد أن أدخل على محمد، فأسمع ما يقول. قال : وأنا أريد ذلك..
فدخلنا على رسول الله فعرض علينا الإسلام، فأسلمنا ثم مكثنا على ذلك حتى أمسينا، ثم خرجنا، ونحن مستخفيان فكان إسلامهما بعد بضعة وثلاثين رجلاً.
وروى ابن سعد، عن أبي عثمان النهدي ورواه الكلبي في تفسيره، عن أبي صالح، عن ابن عباس وله طرق أخرى، ورواه ابن عدي من حديث أنس والطبراني من حديث أم هانئ ومن حديث أبي أمامة عن رسول الله عليه وسلم : "السباق أربعة : أنا سابق العرب، وصهيب سابق الروم، وبلال سابق الحبشة، وسلمان سابق الفرس".


أثر الرسول صلى الله عليه وسلم في تربية صهيب :
عندما هم الرسول صلى الله عليه وسلم بالهجرة، علم صهيب به، وكان من المفروض أن يكون ثالث الرسول وأبي بكر، ولكن أعاقه الكافرون، فسبقه الرسول وأبو بكر، وحين استطاع الانطلاق في الصحراء، أدركه قناصة قريش، فصاح فيهم: "يا معشر قريش، لقد علمتم أني من أرماكم رجل، وايم الله لا تصلون إلي حتى أرمي بكل سهم معي في كنانتي ثم أضربكم بسيفي، حتى لا يبقى في يدي منه شيء، فأقدموا إن شئتم، وإن شئتم دللتكم على مالي وتتركوني وشأني"..
فقبل المشركين المال وتركوه قائلين : أتيتنا صعلوكًا فقيرًا، فكثر مالك عندنا، وبلغت بيننا ما بلغت، والآن تنطلق بنفسك وبمالك. فدلهم على ماله وانطلق إلى المدينة، فأدرك الرسول في قباء، ولم يكد يراه الرسول حتى ناداه متهللاً : "ربح البيع أبا يحيى.. ربح البيع أبا يحيى"، فقال: يا رسول الله، ما سبقني إليك أحدٌ، وما أخبرك إلا جبريل.
فنزل فيه قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة: 207].
- وروى ابن عيينة في تفسيره وابن سعد من طريق منصور، عن مجاهد أول من أظهر إسلامه سبعة فذكره فيهم، وروى ابن سعد من طريق عمر بن الحكم قال: كان عمار بن ياسر يعذب حتى لا يدري ما يقول، وكذا صهيب وأبو فائد, وعامر بن فهيرة وقوم, وفيهم نزلت هذه الآية: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا} [النحل: 110].


أهم ملامح شحصية صهيب الرومي :
الجود والإنفاق
كان صهيبًا جوادًا كريم العطاء, ينفق كل عطائه من بيت المال في سبيل الله, يعين المحتاج ويغيث المكروب, ويطعم الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا, حتى أثار سخاؤه المفرط انتباه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : "أراك تطعم كثيرًا حتى أنك تسرف"، فأجابه صهيب : لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "خياركم من أطعم الطعام ورد السلام"، فذلك الذي يحملني على أن أطعم الطعام.


من مواقف صهيب الرومي مع رسول الله :
يتحدث صهيب رضي الله عنه عن ولائه للإسلام فيقول : "لم يشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهدًا قط، إلا كنت حاضره، ولم يبايع بيعة قط إلا كنت حاضره، ولم يسر سرية قط إلا كنت حاضره، ولا غزا غزاة قط، أول الزمان وآخره، إلا كنت فيها عن يمينه أو شماله، وما خاف -المسلمون- أمامهم قط، إلا كنت أمامهم، ولا خافوا وراءهم، إلا كنت وراءهم، وما جعلت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيني وبين العدو أبدًا حتى لقي ربه".
وكان إلى جانب ورعه خفيف الروح، حاضر النكتة، فقد رآه الرسول صلى الله عليه وسلم يأكل رطب، وكان بإحدى عينيه رمد، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم ضاحكًا : "أتأكل الرطب وفي عينيك رمد"، فأجاب قائلاً : "وأي بأس؟ إني آكله بعيني الأخرى!!".


من مواقف صهيب الرومي مع الصحابة :
" موقف صهيب مع عمر بن الخطاب "
روى البغوي من طريق زيد بن أسلم، عن أبيه خرجت مع عمر حتى دخلت على صهيب بالعالية فلما رآه صهيب قال: يا ناس يا ناس. فقال عمر: ما له يدعو الناس؟ قلت: إنما يدعو غلامه يحنس، فقال له: يا صهيب ما فيك شيء أعيبه إلا ثلاث خصال؛ أراك تنتسب عربيًّا ولسانك أعجمي، وتكنى باسم نبي وتبذر مالك. قال: أما تبذيري مالي, فما أنفقه إلا في الحق، وأما كنيتي فكنانيها النبي r، وأما انتمائي إلى العرب فإن الروم سبتني صغيرًا، فأخذت لسانهم، ولما مات عمر أوصى أن يصلي عليه صهيب، وأن يصلي بالناس إلى أن يجتمع المسلمون على إمام.
- كانت حياة صهيب مترعة بالمزايا والعظائم، فإن اختيار عمر بن الخطاب إياه ليؤم المسلمين في الصلاة مزية تملأ حياته ألفة وعظمة.
فعندما اعتدي على أمير المؤمنين وهو يصلي بالمسلمين صلاة الفجر. وعندما أحس نهاية الأجل، فراح يلقي على أصحابه وصيته وكلماته الأخيرة ثم قال: "وليصلّ بالناس صهيب".
- لقد اختار عمر يومئذ ستة من الصحابة، ووكل إليهم أمر الخليفة الجديد.. وخليفة المسلمين هو الذي يؤمهم في الصلاة، ففي الأيام الشاغرة بين وفاة أمير المؤمنين، واختيار الخليفة الجديد، يختار من يؤم المسلمين في الصلاة..
إن عمر وخاصة في تلك اللحظات التي تأخذ فيها روحه الطاهرة طريقها إلى الله ليتأنى ألف مرة قبل أن يختار.. فإذا اختار، فلا أحد هناك أوفر حظًّا ممن يقع عليه الاختيار..
ولقد اختار عمر صهيبًا.. اختاره ليكون إمام المسلمين في الصلاة حتى ينهض الخليفة الجديد بأعباء مهمته.. اختاره وهو يعلم أن في لسانه عجمة، فكان هذا الاختيار من تمام نعمة الله على عبده الصالح صهيب بن سنان.


بعض ما روى صهيب الرومي عن النبي صلى الله عليه وسلم :
فعن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إذا دخل أهل الجنة الجنة, قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئًا أزيدكم, فيقولون: ألم تبيض وجوهنا, ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار, قال : فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ".
عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "عجبًا لأمر المؤمن, إن أمره كله خير, وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له, وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له"..


عن ابن عمر عن صهيب قال: مررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فسلمت عليه فرد إلي إشارة وقال : لا أعلم إلا أنه قال إشارة بإصبعه.
قال وفي الباب عن بلال وأبي هريرة وأنس وعائشة.
وفاة صهيب الرومي :
مات صهيب في شوال سنة ثمان وثلاثين، وهو ابن سبعين. وكانت وفاته في المدينة المنورة.