مقاصد سورة الأحقاف

سورة الأحقاف
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، معنا في هذه الليلة سورة الأحقاف، هذه السورة من الحواميم وهي آخرها وموضوعها هو موضوع سور الحواميم: الحديث عن التوحيد ومناقشة المشركين والإيمان بالبعث والحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم والإيمان برسالته، هذا ما جاءت السورة لتحقيقه، ثم ضربت لذلك أمثالًا فجاءت بقصة هود وهم أهل الأحقاف والأحقاف جمع حُقف والحُقْف هو الجبل من الرمل، ولعل منطقتهم هي منطقة الربع الخالي هذه التي هي بحر من الرمال فهم كانوا يسكنون في هذه المنطقة التي تسمى منطقة الاحقاف، فالله عز وجل جعل لنا فيها آية وهي أنّ من كذّب واستكبر كانت عقوبته عظيمة وقد يعجلها الله له في الدنيا بأن يُنزل عليهم عقوبة قاصمة في الحياة الدنيا وقد يؤخر الله ذلك كله فتكون عقوبته مجتمعة في يوم القيامة.
افتتحت هذه السورة بقول الله عز وجل (حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2) مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (3( تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ كسائر الحواميم (مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى ۚ وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ) لا يلتفتون ولا ينتبهون ولا يؤمنون ولا يستجيبون ثم ذكر الله عز وجل مناقشة مع هؤلاء الكفار (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ) هؤلاء الذين تزعمون أنهم آلهة ماذا رأيتم من مخلوقاتهم في الأرض هل رأيتم شيئا؟؟ قال الله عز وجل (أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ) هل هم شركاء لله أيضًا في السماوات شاركوه في خلق السماوات أو شيء منها (ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَٰذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) أعطوني كتابًا نطق بهذا أو شيئًا من علم دلّ على هذا (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ هذا ثم قال الله (وَمَنْ أَضَلُّ أي لا أحد أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون) واستمرت الآيات تناقش هؤلاء الكفار في شركهم وكفرهم بالله عز وجل إلى أن وصل إلى قوله (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) حمله وفطامه من الرضاع يقع في ثلاثين شهرًا يعني لو حسبناها تطلع سنتين وستة أشهر، ولكن الحمل تسعة أشهر وليس ستة! هذه إشارة إلى أدنى الحمل يعني أدنى ما يكون به الحمل ستة أشهر فهي سنتان وستة أشهر تصبح ثلاثون شهرًا وقال في أية أخرى في سورة لقمان قال الله عز وجلّ (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِير) لما ذكر هذا بيّن من هو هذا الشخص البارّ الذي وصّاه الله بوالديه فقام بحقهما قال (حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ) وهو الثلاثين أو الثالثة والثلاثين (وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ) حتى والديه النعمة التي على والديه هي نعمة عليه وبذلك يشكر النعمة التي لله عليه ولله على والديه لأن كل نعمة من الله على والديك لا بد أن تأتيك قال (وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ) تصل فيه إلى الرضا يا رب (وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي) لذلك هذا الدعاء من أجمع الدعاء في القرآن فاحرصوا على أن تدعوا الله به (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) قال الله (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا) قد تقول ما مناسبة مجيء هذا المقطع في وسط الحديث عن الشرك وأهله؟ والذي يظهر لي – والله أعلم – أن المناسبة هي الفكرة أن الإنسان إذا أُنعم عليه شكر، فالعبد لما أنعم الله عليه يجب أن يشكر الله بأن يوحّده ويفرده بالعبادة كما أنه يشكر نعمة والديه بالبرّ بهما والإحسان إليهما يرى فضلهما عليه فالذي يشكر والديه ويحسن إليهما ينبغي أن يكون مثله الذي يشكر ربه ويثني عليه ويردّ الإحسان إليه سبحانه وتعالى فيفرده بالعبادة ولذلك جاء بالمقابل فقال (وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آَمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴿١٧﴾ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ ﴿١٨﴾) ثم ذكر الله قصة الأحقاف التي هي قصة قوم هود (وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿٢١﴾ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آَلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴿٢٢﴾) ثم أنزل الله بهم عقوبته ثم هدّد المشركين فقال (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) يعني أيّ فضل لكم عليه؟ هم أقوى منكم وأكثر تمكنا فما نفعتهم قوتهم بل نزل بهم العذاب فما الذي يفضلكم عليهم؟؟ أنتم كذبتم كما كذبوا فانتظروا العذاب من الله. ثم ذكر الله نموذج لقوم آخرين سمعوا رسالة النبي صلى الله عليه وسلم فامنوا به وهم الجنّ (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ) ماذا فعلوا؟؟؟ لم يعرضوا (قَالُوا أَنْصِتُوا ۖ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَىٰ) هذا يدل على إنهم كانوا يهودًا (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُسْتَقِيم 30 يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ) يعني صاروا دعاة بمجرد سماعهم للقرآن من رسول الله لأن الحجة بلغتهم. قال الله عز وجل (وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)
ثم ختمت السورة بأمر النبي صلى الله عليه بالصبر(فَاصْبِرْ) يا محمد (كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) أي إخوانك أهل العزائم العظيمة والقوة البالغة وهم إبراهيم ونوح وموسى وعيسى (وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَار بَلَاغٌ) أي هذا بلاغ (فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ) من هم القوم الفاسقون؟ افتح الصفحة التالية بسم الله الرحمن الرحيم (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴿١﴾ محمد) وهذه هي المناسبة بين سورة الأحقاف وسورة محمد، مناسبة بالغة.